قراءات اليوم
بحث (متقدم)
أرسل إلى صديق
إنارة شموع
الأسم الشخصي
أسم العائلة
البريد الألكتروني
أمنيتك
 
حياتها
"مختصر حياة" القديسة تريز

تريز ابنة لويس وزيلي مرتان

ولدت تريز مرتان في 2 كانون الثاني 1873 في ألنسون، وكانت آخر العنقود في عائلة بلغ عدد أفرادها التسعة، وبقي منهم على قيد الحياة خمس بنات: ماري، بولين، ليوني، سيلين وتريز.
والدها لويس مرتان ساعاتي اعتزل عمله ليدير شؤون تجارة "مطرزات ألنسونيّة" كانت زوجته زيلي مرتان تعنى بشؤونها. وقد أبدعت في عملها حتى تجاوز عدد العاملات لديها العشرين.
وعندما توفيت هذه الأخيرة في سنٍّ مبكرة، عام 1876، اعتزل السيد مارتين العمل، وانتقل إلى ليزيو ليقيم مع بناته الخمسة في فيلاّ "البويسونيه".
كانت بولين أول مَن دخلت كرمل ليزيو لتصبح الأم أنييس، تبعتها ماري واتخذت لها في الكرمل نفسه اسم ماري القلب الأقدس ثم تريز التي سنتحدث عنها مطوّلاً. عاشت تريز في الكرمل 9 سنوات، نضجت في خلالها وتعمّقت في درب الطفولة الروحيّة. أصيبت بمرض السلّ وكان علاجه صعبًا في حينه فعانت الأمرّين حتى انتقلت إلى بيت الآب في 30 أيلول 1897.

طفولة تريز

تحدثت تريز عن طفولتها التي انطبعت بحبّ والديها وأخواتها وعائلة خالها إيزودور غيران. ولكن موت أمّها زيلي وهي في الرابعة من عمرها أثر كثيرًا في نفسها. وقد اتخذت حينها اختها بولين أمًّا ثانية لها فكان دخولها دير الكرمل في ليزيو صدمة عنيفة لها.
أحداث وخبرات مفرِحة وأخرى محزنة طبَعت طفولة تريز ومنها: مناولتها الأولى في أيار 1884، اضطرابات ووساوس عاشتها خصوصًا بعد دخول اختها بولين إلى دير الكرمل في ليزيو وهو ما شكّل صدمة عنيفة لها ونعمة ميلاد 1887 التي أخرجتها من الطفولة إلى النضج الإنساني والروحي.

مناولة تريز الأولى

تحضّرت تريز لمناولتها الأولى عبر دروس التعليم الديني والرياضة التحضيريّة ولكنها استعدّت لها خاصة من خلال الرغبة التي ملأت قلبها بأن تتحدّ بالربّ. وقد قرّرت في هذه الفترة ثلاثة أمور:
1. أن تُميت كبرياءها
2. أن تكرّس ذاتها للعذراء كل يوم عبر صلاة: "تذكّري أيتها العذراء القديسة"
3. أن لا تيأس أبدًا (قالت: لن أيأس أبدًا).

كتبت تريز عن مناولتها، قالت:
"ما كان أطيبها قبلة يسوع الأولى لنفسي. لقد كانت قبلة الحب، وكنت أشعر إنني محبوبة… وكنت أقول له: أحبك وأهب لك نفسي مدى الدوام…
وفي ذلك اليوم لم يعد هناك نظرة بل اندماج فلم يعودا اثنين بعد بل ضاعت تريز ضياع قطرة ماء في قلب المحيط وبقي يسوع هو الملك والسيد…" (المخطوط أ، 35 ش)
وبما أنها كانت تشعر بشدة ضعفها ووهنها فقد أرادت أن تتحد بالقوة الإلهية إلى الأبد… وستبدأ تريز بالكلام عن الألم، وعن رغبتها في أن لا تحب إلا الله وحده وألا تجد فرحًا إلا فيه…
بعد المناولة بمدة وجيزة تلقت سر التثبيت… وتقول "في ذلك اليوم، تلقيت قوة للتألم لان بعده بقليل كان استشهاد نفسي على وشك الابتداء" (المخطوط أ، 37 ي)

اضطرابات، مرض الوسواس

عانت تريز من محن داخليّة عديدة ومنها: المرض الذي سمّته الوسواس ودام سنة ونصف السنة وفيه كانت جميع أفكارها وأعمالها حتى أبسطها، تتحوَّل إلى موضوع قلقٍ لها، ثم كانت خيبات الأمل التي خبِرتها في علاقتها مع الآخرين من رفيقات وأقارب ومعلّمات حين كانت تشعر أن لا أحد يهتمّ بوجودها وفي هذا كتبت تقول: " (...) كنتُ أمكث أمام القربان المقدّس حتى يأتي بابا ويأخذني. تلك كانت تعزيتي الوحيدة ألم يكن يسوع صديقي الأوحد؟... ولم أكن أُجيدُ الكلام إلا معه. أما الأحاديث إلى المخلوقات، حتى التقويّة منها، فكانت تُتعبُ نفسي... كنتُ أشعرُ بأن الحديثَ إلى الله [41 ي] خيرٌ من الحديث عن الله، لما قد يخالط الأحاديث الروحية نفسها من الأنانية!... لقد كنتُ آتي إلى الدير فعلاً من أجل العذراء القديسة فقط... وأحياناً كنتُ أشعرُ باني وحيدةٌ وفي عزلة تامة. وكما في عهد حياتي الداخلية، حيث كنتُ أتنزهُ حزينةً ومريضة في الفناء الكبير، كنتُ أردد هذه الكلمات التي كانت تُنعشُ دوماً في قلبي السلامَ والقوة: "الحياة مركبُكِ وليست منزلَكِ". (المخطوط أ).
ثم كان على تريز أن تجتاز فراقات كثيرة فقد دخلت ماري عام 1884 الكرمل، هي التي كانت مرجعها الوحيد، تقودها وتعزّيها وتساعدها على تخطّي الوساوس وعلى ممارسة الفضيلة.
كتبت تقول: " (...) وما إن علمتُ بعزم ماري، حتى قرَّرت ألا أتذوَّق بعد اليوم لذةً على هذه الأرض... (...) ولما علمتُ بمغادرة ماري، فَقَدَتْ غُرفتي كلَّ سِحرَها لي، إذ إنني ما كنتُ أفارقُ لحظةً واحدة تلك الأخت الحبيبة التي كانت مُزمِعَة أن تطيرَ عن قريب... ولكم هناك من أفعال صبرٍ جعلتُها تمارسُها! (...) وقبل دخولها الكرمل بشهر، أخذَنا بابا إلى ألنسون. ولكن ما أبعدَ الشبه بين هذه السفرة وسابقتها. كل شيء فيها كان لي حزناً ومرارة. وأنا عاجزةٌ عن وصف الدموع التي ذرفتُها على قبر أمي، لأني نسيتُ أن أجلبَ معي باقةً من البنفسج جمعتُها لأجلها. فكل شيء كان لي مصدراً للغم. وكان الأمر بخلاف ما أنا عليه الآن، إذ قد منَّ الله عليَّ بأن لا يَفُلَّ عزمي أيُّ شيءٍ زائل (...). فما كنتُ بعدُ إلا طفلةً، يبدو أن لا إرادةَ لها سوى إرادة الآخرين؛ وهذا ما كان يحدو بأناس من ألنسون إلى القول إني ضعيفةٌ الشكيمة... فخلال هذا السفر، قامت ليوني بخبرتها لدى الراهبات الكلاريسات . فحزنتُ لدخولها الغريب المفاجئ، لأني كنت أُحبُّها كثيراً ولم أستطع أن أقبِّلها قبل مغادرتها. (المخطوط أ).
وفي خضمّ هذه المرحلة، سمعت تريز دعوة الله لها لكي تتبعَه روَت في المخطوط أ تقول: "إن الله الذي أراد أن يدعوَ إليه أصغرهنّ وأضعفهنّ، أسرعَ في تنمية جناحَيها. وإذ كان يُسَرُّ بأن يُظهر جودَه وقدرته باستخدام أقلِّ الأدوات جدارةً، فقد شاءَ أن يدعوني قبل سيلين التي كانت، ولا شك، تستحقُ هذا الفضلَ أكثر مني. ولكن يسوع كان يدري كم أنا ضعيفة، ولذلك، فقد خبأني، أنا الأولى، في نخروب الصخر(نشيد 2، 1).

ولكن هل يمكن لتريز، هي الضعيفة والملأى بالنقائص، أن تعيش جمال دعوة عظيمة كهذه مع ما تحمله من أعباء وصعوبات وبذل للذ ات دون حدود أو تعلّق بالأشياء أو بالأشخاص.
كان لا بدّ ليسوع الذي دعاها أن يتدخّل بشكلٍ قويّ وواضح وكانت نعمة الميلاد 1886 وقد روتها تريز في المخطوط أ، كتبت تقول: " إذا كانت السماء تغمرني بالنِعَم، فليس ذلك عن استحقاقٍ مني، وكان ما يزال فيَّ نقائص كثيرة. لقد كنت، في الحقيقة شديدة الرغبة في ممارسة [44 ش] الفضيلة، غير أني كنتُ أمارسها بطريقة غريبة. وهاكِ مثلاً على ذلك: لكوني الأخيرة بين أخواتي، لم أتعوّد خدمة نفسي. فسيلين كانت ترتِّبُ الغرفة التي كنَّا ننامُ فيها سوية، وما كنتُ أقوم بأيَّة خدمةٍ منزلية. ولكن بعد دخول ماري الكرمل، كنتُ أحياناً، إرضاءً لله، أحاولُ ترتيبَ السرير، أو أذهب، في غياب سيلين، وأدخلُ مساءً أحواضَ زهورها. وكما قالت، كنت أقوم بهذه الأمور لأجل الله وحده. ولذلك، ما كان ينبغي أن أنتظر شكرَ الخلائق. ولكن، للأسف، كان الأمر على خلاف ذلك. فإذا بَدا على سيلين، أنها غيرُ سعيدة ومستغربةٌ خدماتي الصغيرة، لا أكون راضية، وقد برهنتُ لها عن ذلك بدموعي...
لقد كنتُ حقاً لا أُطاق بسبب سرعة تأثري. فكان يحصلُ لي أن أُسبِّب، بدون إرادتي، تكديراً طفيفاً لشخص أحبه، وعوض التغلب على الأمر وعدم الاستسلام إلى البكاء، كنتُ أبكي مثل مجدلية، الأمر الذي كان يزيد من خطأي عوضَ التخفيف منه. وحينما أبدأ بأن أتعزَّى عن الأمر ذاته، كنتُ أبكي على أني بكيتُ... ولم تكُن تُجدي معي كلُ النصائح نفعاً، وما كنتُ أستطيعُ سبيلاً إلى إصلاح تلك النقيصة الذميمة، ولا أدري كيف كنتُ أُعلِّل النفسَ بفكرة دخول الكرمل الجميلة، طالما أني ما زلتُ في أقمطة الطفولة(1)... وكان لا بدَّ أن يُجريَ الله معجزةً صغيرة ليجعلني أُكبُرُ في لحظة واحدة. ولقد أجرى هذه المعجزة يومَ الميلاد(2) الذي لن أنساه. ففي تلك الليلة المشرقة التي تُضيء نعيم الثالوث الأقدس، حوَّلَ يسوعُ الطفلُ الصغيرُ الوديعَ ابنُ الساعة، ليلَ نفسي سيولٍ من نور... في تلك الليلة التي فيها جعلَ ذاته ضعيفاً ومتألماً حباً بي، جعلني قويةً وشجاعةً وقلدني سلاحه. ومنذ تلك الليلة المباركة، لم أُغلَب في أيةٍ معركة؛ بل، بالعكس، كنتُ أتقدَّمُ من نصرٍ إلى نصر، وبدأتُ هكذا عدوَ جبار!... [45 ي] لقد نضبَ معينُ دموعي، فما عادت تجري إلا نادراً وبجهدٍ جهيد. وهذا ما أثبتَ الكلمةَ التي قيلت لي سابقاً: "إنك تبكين في طفولتك إلى حدٍ لن يكونَ لك معه دموعٌ تسكبينها فيما بعد!"...
وفي الخامس والعشرون من كانون الأول/ ديسمبر 1886 هو اليوم الذي تلقيتُ فيه نعمةَ الخروج من الطفولة، وبكلمة، نعمةَ اهتدائي التام. كنا عائدين من قداس نصف الليل، حيث أُسعدتُ بتناول ألإله القوي القدير. ولدى وصولنا إلى البويسُّونيِّه، كنتُ سعيدةً بالتوجه إلى المدخنة لآخذ حذائي. هذه العادة القديمة كانت مدعاةَ فرحٍ عظيمٍ لنا، في عهد طفولتنا، وقد أرادت سيلين أن تستمرَّ في معاملتي كطفلة، لأني كنتُ الصغرى في العائلة... وكان بابا يُسَرُّ كثيراً عندما يرى سعادتي، ويسمعُ صيحاتِ فرحي عند إخراج كل مفاجئة من الأحذية المسحورة. وكانت بهجةُ ملكي الحبيب تزيدُ كثيراً من سعادتي. إلا أن يسوع، وقد أراد أن يبيِّن لي واجبَ التخلي عن نقائص الطفولة، حرمني أيضاً من أفراحها البريئة. فسمحَ بأن يشعُرَ بابا، الذي أتعبه قداس نصف الليل، بشيءٍ من التكدُّر حينما رأى حذائي في المدخنة، وقال هذه الكلمات التي مزقَّت فؤادي: "وأخيراً، من حسن الحظ أنها السنة الأخيرة!..." فصعدتُ عندها الدرجَ بقصدِ نزع قبعتي. وسيلين العالمة بعمق تأثري، رأت دموعاً تتلألأ في عيني فأحست هي أيضاً بالدموع تتحرك في عينيها، لأنها كانت تحبُّني كثيراً وتفهم كآبتي؛ فقالت لي: "يا تريز، لا تنزلي، فقد يؤلمك جداً أن تنظري فوراً إلى حذائك". إلا أن تريز قد تبدَّلت، وكان يسوع قد غيرَّ قلبها. فحبستُ دموعي، ونزلتُ الدرجَ مسرعةً، وضبطتُ خفقاتِ قلبي، وأخذتُ حذائي ووضعتُه أمام بابا، وأخرجتُ منه بفرحٍ ما به من الأغراض، وأنا أبدو سعيدةُ مثل ملكة. لقد كان ذلك حقيقةً حلوة. فقد استعادت تريز الصغيرة قوَّة شكيمتها التي كانت قد فقدتها وهي في سن الرابعة والنصف، ولسوف تحتفظُ بها على الدوام!
[45 ش] في ليلة النور تلك، بدأت المرحلةُ الثالثة من حياتي، وهي أجملُ مراحلها وأغزرُها نعماً سماوية... ففي لحظةٍ واحدة، أنجزَ يسوع العملَ الذي لم أستطع إنجازه طوال عشر سنين، وقد اكتفى لذلك بإرادتي الصالحة، التي لم أُعدَمها قط. فتسنَّى لي أن أقولَ له، مثل رسله: يا معلم، لقد تعبتُ طوال الليل ولم أُصِب شيئًا (لو 10، 4-5). وكان يسوع أرحمَ عليَّ منه على تلاميذه، فأمسكَ بنفسه الشبكة وألقاها ثم أعادَها ملأى بالسمك... وجعل مني صيادةَ النفوس، وشعرتُ برغبة قوية في العمل على هداية الخطأة، تلك الرغبة التي لم أشعر بها بهذه الشدة من قَبل. وبكلمة، لقد شعرتُ بالمحبة تنفذُ إلى أعماق قلبي، وبالحاجة إلى نسيان ذاتي لكي أُرضيَ الآخرين. ومنذ ذلك الحين أصبحت سعيدةٌ!... وفي يوم أحد، كنتُ أنظر إلى صورة تمثل سيِّدنا يسوع المسيح مصلوباً، فتأثرتُ بالدمِ السائل من إحدى يديه الإلهيتين، وانتابني غمٌّ شديدٌ حينما فكرت في أن هذا الدم كان يسقطُ على الأرض، دون أن يُسارع أحد لالتقاطه. فعزمتُ على أن أقفَ بالروح عند أقدام الصليب لكي أتلقَّى ذلك الندى الإلهي الجاري منه. وفهمتُ أنه عليَّ، بعد ذلك، أن أرشَّه على النفوس... وكانت صرخةُ يسوع على الصليب ترنُّ باستمرار في قلبي : أنا عطشان (يو 19، 28). كانت هذه الأقوال تُلهبُ فيَّ حرارةً شديدةً لا عهدَ لي بها... كنتُ أريدُ أن أسقيّ حبيبي، وكنتُ أشعرُ، أنا ذاتي، بأني أذوب عطشاً إلى النفوس... ولم تكن، يومَها، نفوسُ الكهنة هي التي تجذبُني، إنما نفوسُ كبار الخاطئين. كنتُ أتحرقُ شوقاً إلى انتزاعهم من النيران الأبدية...
دخلت تريز دير كرمل ليزيو وهي في الخامسة عشرة وثلاثة أشهر من عمرها حيث انضمّت إلى أختيها ماري وبولين. وبقيت سيلين تهتمّ بأبيها مع ليوني إلى أن توفيّ هذا الأخير فدخلت سيلين دير الكرمل وكانت ليوني قد دخلت دير الزيارة في كان.

الحياة في الكرمل

لم تكن حياة تريز في الكرمل مزروعة بالورود بل هي عانت من شتى أنواع المحن وإن كانت أيضًا قد اختبرت أفراحًا سماويّة عذبة: فيوم اتشّحت بالثوب الرهباني طلبت من يسوع أن يعطيها يومًا مثلجًا تتّشح فيه الأرض بالبياض فكان لها ذلك. وكانت قبلة أنظار الدير، تُفرح أخوات والراهبات فكانت تكتب القصائد والمسرحيات وتعمل ما بوسعها لإضفاء جوّ من الفرح والإخاء بين الراهبات.
أما الصعوبات التي واجهتها فأتى بعضها من كونها الأصغر بين الأخوات مرتان فقرّرت الراهبات أن لا يكون لها الحقّ في الانتخاب أو الجلوس في مجمع الراهبات حتى لا يصبح للعائلة ثقلٌ أكبر في الدير.
كان حبّها لأخواتها لا يوازيه أو يفوقه إلا حبّها ليسوع فكانت تعمل جاهدة أن لا تتحدّث إليهن في وقت الفرصة ولا تجد لنفسها الاعذار حتى تستغل كونها من العائلة.
تأمّلت تريز سنة 1890 بنصوص العبد المتألم في كتابات النبي أشعيا وفي اطّلعت على كتابات القديس يوحنا الصليب فكانت لها ينبوعًا للاستقاء إلى جانب الكتاب المقدّس، غذاؤها الوحيد. في 8 أيلول من هذه السنة أبرزت تريز النذور الرهبانية. وبدأت تريز تشارك في تنشئة الراهبات الروحيّة. في تموز 1894 توفي أبوها لويس مرتان. ودخلت أختها سيلين دير الكرمل في ليزيو. وفي أيلول من هذه السنة بينما كانت الأخوات مرتان يتحدثن عن شؤون العائلة، بانت تريز راوية رائعة فطلبت منها أختها الأم أنييس أن تدوِّن ذكرياتها فخطّت المخطوط أ وسلّمتاها إياه في كانون الثاني 1896. بعد إعادة انتخاب الأم ماري دي غونزاغ رئيسة لدير الكرمل، تثبِّت تريز في مهمتها كمساعدة في تنشِئَة المبتدئات. وكانت الأم أنييس قد وكّلتها أن تكون الأخت الروحيّة للإكليركي بليير ثم وكّلتها الأم ماري دو غونزاغ بأخٍ روحي آخر هو الأب رولان.
خلال هذه السنوات عاشت تريز درب الطفولة الروحيّة وعمّقتها ويمكن التعرف على هذه الدرب في خانة روحانيّتها على هذا الموقع.
في نيسان 1896 بدأت عوارض المرض تظهر على تريز ودخلت إلى جانب محنة المرض في ليل الإيمان حتى موتها. ولكنها استمرت في الكتابة فكان المخطوط ب أهدته إلى أختها ماري القلب الأقدس وفيه تحدّثت عن الدرب الصغيرة.
استمرت معاناة تريز المرَضيّة سنة كاملة فوُضعت في غرفة المرضى وبدأت أخواتها مع قرب موتها بمرافقتها عن قرب وتدوين المحاورات الأخيرة. ما لبثت الأم دو غونزاغ أ، طلبت منها أن تكتب لها ما عُرف بالمخطوط ج حيث توسّعت في سرد حياتها الرهبانيّة وما تعلّمته في درب الطفولة الروحية.
في 30 تموز 1897 مُنحت تريز سرّ مسحة المرضى وكان تناولها الأخير في 19 آب وبعد نزاع أليم دام يومين انتقلت إلى بيت الآب ودُفنت في مقبرة ليزيو. عشية وفاتها قالت إحدى الراهبات فيها: ماذا سنكتب عن هذه الراهبة في إعلان الوفاة؟
بعد وفاتها قرأت الأم أنييس قصة نفس وطبعت منه الطبعة الأولى عام 1898. وبدأت الشفاءات على قبرها على الفور عام 1899 فكان ذلك تحقيقًا لما قالته: سأمضي سمائي في عمل الخير على الأرض ولكن أيضًا في السماء سيعمل الله مشيئتي لأنني عملت دومًا مشيئته على الأرض.
عام 1902 أعيد انتخاب الأم أنييس رئيسة على كرمل ليزيو فعملت مع الأخوات مرتان على عرض وشرح روحانية القديسة الصغيرة التي أعلنها البابا بيوس الحادي عشر طوباوية في سنة 1923 ثم قديسة عام 1925. ما لبث أن أعلنها عام 1927 شفيعة الرسالات والمرسلين إلى جانب القديس فرانسوا كزافييه اليسوعي، والمرسل الشهير إلى الشرق الأقصى في القرن السادس عشر. وعام 1944 أعلن البابا بيوس الثاني عشر تريز شفيعة ثانية لفرنسا هي التي ساعدت بشكلٍ واضح الجنود والأسرى أثناء الحرب العالمية الثانية فكانت الشهادات تأتي إلى الكرمل تؤكّد على حضور القديسة الصغيرة إلى جانب النفوس الصغيرة وكلّ من يطلب شفاعتها.
عام 1997، في ذكرى المئوية الأولى لوفاة القديسة تريز الطفل يسوع، طالب العديد من المجامع الأسقفيّة بإعلان تريز معلمة الكنيسة جمعاء فتمّ ذلك في السنة نفسها في 19 تشرين الأول الواقع فيه اليوم العالمي للرسالات.
 


[2011-03-28] تابعنا على الفيسبوك طباعة
ص.ب. 9047، شارع همجينيم 80، حيفا 31090 972-(0)4-852-4346
info@thereseholyland.org 972-(0)4-851-2554